القرطبي

264

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قلت : ما اخترناه أولى إن شاء الله تعالى ، فإن الله تعالى لما أخبر أنه فضل بعضهم على بعض جعل يبين بعض المتفاضلين ويذكر الأحوال التي فضلوا بها فقال : " منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى بن مريم البينات " وقال " وآتينا داود زبورا ( 1 ) " وقال تعالى : " وآتيناه الإنجيل ( 2 ) " ، " ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين ( 3 ) " وقال تعالى : " ولقد آتينا داود وسليمان علما ( 4 ) " وقال : " وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح ( 5 ) " فعم ثم خص وبدأ بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وهذا ظاهر . قلت : وهكذا القول في الصحابة إن شاء الله تعالى ، اشتركوا في الصحبة ثم تباينوا في الفضائل بما منحهم الله من المواهب والوسائل ، فهم متفاضلون بتلك مع أن الكل شملتهم الصحبة والعدالة والثناء عليهم ، وحسبك بقوله الحق : " محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار ( 6 ) " إلى آخر السورة . وقال : " وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها ( 6 ) " ثم قال : " لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل ( 2 ) " وقال : " لقد رضى الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ( 6 ) " فعم وخص ، ونفى عنهم الشين والنقص ، رضي الله عنهم أجمعين ونفعنا بحبهم آمين . قوله تعالى : ( منهم من كلم الله ) المكلم موسى عليه السلام ، وقد سئل رسوله الله صلى الله عليه وسلم عن آدم أنبى مرسل هو ؟ فقال : " نعم نبي مكلم " . قال ابن عطية : وقد تأول بعض الناس أن تكليم آدم كان في الجنة ، فعلى هذا تبقى خاصية موسى . وحذفت الهاء لطول الاسم ، والمعنى من كلمه الله . قوله تعالى : ( ورفع بعضهم درجات ) قال النحاس : بعضهم هنا على قول ابن عباس والشعبي ومجاهد محمد صلى الله عليه وسلم ، قال صلى الله عليه وسلم : " بعثت إلى الأحمر والأسود وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ونصرت بالرعب ( 7 ) مسيرة شهر وأحلت لي الغنائم وأعطيت

--> ( 1 ) راجع ج 6 ص 17 . ( 2 ) راجع ج 17 ص 262 وص 239 . ( 3 ) راجع ج 11 ص 295 ( 4 ) راجع ج 13 ص 163 ( 5 ) راجع ج 14 ص 126 ( 6 ) راجع ج 16 ص 292 وص 288 وص 274 ( 7 ) الرعب : الخوف والفزع . كان أعداء النبي صلى الله عليه وسلم قد أوقع الله تعالى في قلوبهم الخوف ، فإذا كان بينه وبينهم مسيرة شهر هابوه وفزعوا منه . ( عن النهاية ) .